من: الوالد المدبر العمر

إلى: المولود رهينة الايام

“… (بنی) بصّره (أی بصّر قلبک) فجائع الدنيا و حذره صولة الدهر و فحش تقلب الليالي و الايام، و اعرض عليه أخبار الماضين، و ذكره بما أصاب من كان قبلك من الاولين ، و سر في ديارهم و آثارهم، فانظر فيما فعلوا و عما انتقلوا و أين حلوا و نزلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الاحبة ، و حلوا ديار الغربة، و كأنك عن قليل قد صرت كأحدهم. فاصلح مثواك، و لا تبع آخرتك بدنياك…

يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، و اكره له ما تكره لها، و لا تظلم كما لا تحب أن تظلم، و أحسن كما تحب أن يحسن إليك. و استقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك… و لا تقل ما لا تحب أن يقال لك و اعلم أن الاعجاب(1) ضد الصواب و آفة الالباب…

يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها و زوالها و انتقالها، و أنبأتك عن الآخرة و ما أعد لاهلها فيها، و ضربت لك فيهما الامثال لتعتبر بها و تحذو عليها. إنما مثل من خبر الدنيا(2) كمثل قوم سفر نبا بهم منزل(3) جديب(4) فأموا(5) منزلا خصيبا و جنابا(6) مريعا(7)، فاحتملوا و عثاء الطريق(8) و فراق الصديق، و خشونة السفر، و جشوبة(9) المطعم ليأتوا سعة دارهم و منزل قرارهم، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما، و لا يرون نفقة مغرما، و لا شئ أحب إليهم مما قربهم من منزلهم، و أدناهم من محلهم

و مثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب، فليس شئ أكره إليهم و لا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه(10) و يصيرون إليه.

… (بنی) أنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه، و لا بد أنه مدركه، فكن منه على حذر أن يدركك و أنت على حال سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك و بين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك.

يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه و تفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك و قد أخذت منه حذرك، و شددت له أزرك(11)، و لا يأتيك بغتة فيبهرك.(12) و إياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها،(13) و تكالبهم(14) عليها، فقد نبأك الله عنها، و نعت لك نفسها،(15) و تكشفت لك عن مساويها…”

هذا قبسات من ما کتبه اب و امام حنون و واعي إلی إبنه الامام الحسن (عليه السلام)، و کأنه من وراء القرون يخاطب الأحرار و طالبی الحق في العالم و يحثّهم علی تفکر و تأمل اکثر في الحياة.

 (مأخوذ من نهج البلاغه، کتاب رقم 31)

13 رجب، يبارك و يهنئ موقع الرشد العالم و بخصوص أنتم أصدقائنا الأعزاء،

ذكرى ميلاد مولود الکعبة و إمام المتقين

أمیرالمؤمنین ،

الإمام علي بن أبي طالب ( علیه السلام ) .

………………………………..

الهوامش:

1- الاعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس مطلقا و هو خلق من أعظم الاخلاق مصيبة على صاحبه، و من أشد الآفات ضررا لقلبه

2- خبر الدنيا: عرفها كما هي بامتحان أحوالها.

3- و نبا المنزل بأهله: لم يوافقهم المقام فيه لوخامته.

4- الجديب: المقحط لا خير فيه.

5-  أموا: قصدوا. 

6- الجناب: الناحية.

7- المريع بفتح فكسر: كثير العشب

8- و عثاء السفر: مشقته.

9- الجشوبة بضم الجيم: الغلظ، أو كون الطعام بلا أدم

10- هجم عليه: انتهى إليه بغتة

11- الازر بالفتح : القوة

12- بهر كمنع: غلب، أي يغلبك على أمرك

13- إخلاد أهل الدنيا: سكونهم إليها.

14- التكالب: التواثب

15- نعاه: أخبر بموته. والدنيا تخبر بحالها عن فنائها