مع حلاوه عید الفطر، و لکن یحتار الإنسان بین طریق الشوق و التأسّف. فمِن جهه نفرح بتجاوزنا الامتحان الإلهی و طاعتنا للأوامر الإلهیّه و من جهه أخرى نحزن لفراق شهر الرحمه و المغفره. مع حلول عید الفطر، رحل شهر رمضان و تنتظر أعیننا وصوله فی السنه المقبله مره أخرى. لقد کان ثمن رحیل هذا الشهر باهضاً على هؤلاء الذین ذاقوا طعم الصیام، و جلسوا على مائده السحر و الإفطار، راجین رحمه الله و غفرانه و الذین کانوا فیه فی حاله الأمان من شرّ الشیطان الرجیم ، و کلّ شخص یشعر حسره ذهاب هذا الشهر قلیلاً أو کثیراً و لکن لایدرک فَقده أحد کأهل البیت (علیهم السلام) الذین سبقوا فی طریق الطاعه و العبودیه حتی صاروا ائمّه المتّقین.
فقد تّعلّمنا الأمام علیّ بن الحسین، ذلک المعلم الدعاء و المناجاه الکبیر، فی دعاء 45 من الصحیفه السجادیه کیفیه الوداع مع هذا الشهر المبارک. فإنّه فی هذه المناجاه بعد الحمد و الثناء، یشکر الله تعالی لجعله تکالیف خاصّه فی هذا الشهر التی تمهّد ارضیه مناسبه لقرب المسلمین إلیه و من بعده یقول (علیه السلام):
« وَ قَدْ أَقَامَ فِینَا هَذَا الشَّهْرُ مُقَامَ حَمْدٍ، وَ صَحِبَنَا صُحْبَهَ مَبْرُورٍ، وَ أَرْبَحَنَا أَفْضَلَ أَرْبَاحِ الْعَالَمِینَ، ثُمَّ قَدْ فَارَقَنَا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهِ، وَ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِ، وَ وَفَاءِ عَدَدِهِ. فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وِدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُهُ عَلَیْنَا، وَ غَمَّنَا وَ أَوْحَشَنَا انْصِرَافُهُ عَنَّا…
السَّلَامُ عَلَیْکَ یَا أَکْرَمَ مَصْحُوبٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ…
السَّلَامُ عَلَیْکَ مِنْ قَرِینٍ جَلَّ قَدْرُهُ مَوْجُوداً، وَ أَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً، وَ مَرْجُوٍّ آلَمَ فِرَاقُهُ.
السَّلَامُ عَلَیْکَ مِنْ أَلِیفٍ آنَسَ مُقْبِلًا فَسَرَّ، وَ أَوْحَشَ مُنْقَضِیاً فَمَضّ…
السَّلَامُ عَلَیْکَ مِنْ نَاصِرٍ أَعَانَ عَلَى الشَّیْطَانِ، وَ صَاحِبٍ سَهَّلَ سُبُلَ الْإِحْسَانِ …
السَّلَامُ عَلَیْکَ مَا کَانَ أَمْحَاکَ لِلذُّنُوبِ، وَ أَسْتَرَکَ لِأَنْوَاعِ الْعُیُوبِ
السَّلَامُ عَلَیْکَ مَا کَانَ أَطْوَلَکَ عَلَى الْمُجْرِمِینَ، وَ أَهْیَبَکَ فِی صُدُورِ الْمُؤْمِنِینَ …
السَّلَامُ عَلَیْکَ کَمَا وَفَدْتَ عَلَیْنَا بِالْبَرَکَاتِ، وَ غَسَلْتَ عَنَّا دَنَسَ الْخَطِیئَاتِ …
السَّلَامُ عَلَیْکَ مَا کَانَ أَحْرَصَنَا بِالْأَمْسِ عَلَیْکَ، وَ أَشَدَّ شَوْقَنَا غَداً إِلَیْکَ..
(اللهم) أَوْجِبْ لَنَا عُذْرَکَ عَلَى مَا قَصَّرْنَا فِیهِ مِنْ حَقِّکَ، وَ ابْلُغْ بِأَعْمَارِنَا مَا بَیْنَ أَیْدِینَا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُقْبِلِ…
اللَّهُمَّ اسْلَخْنَا بِانْسِلَاخِ هَذَا الشَّهْرِ مِنْ خَطَایَانَا، وَ أَخْرِجْنَا بِخُرُوجِهِ مِنْ سَیِّئَاتِنَا، وَ اجْعَلْنَا مِنْ أَسْعَدِ أَهْلِهِ بِهِ، وَ أَجْزَلِهِمْ قِسْماً فِیهِ، وَ أَوْفَرِهِمْ حَظّاً مِنْهُ.
اللَّهُمَّ وَ مَنْ رَعَى هَذَا الشَّهْرَ حَقَّ رِعَایَتِهِ، وَ حَفِظَ حُرْمَتَهُ حَقَّ حِفْظِهَا، وَ قَامَ بِحُدُودِهِ حَقَّ قِیَامِهَا، وَ اتَّقَى ذُنُوبَهُ حَقَّ تُقَاتِهَا، أَوْ تَقَرَّبَ إِلَیْکَ بِقُرْبَهٍ أَوْجَبَتْ رِضَاکَ لَهُ، وَ عَطَفَتْ رَحْمَتَکَ عَلَیْهِ، فَهَبْ لَنَا مِثْلَهُ مِنْ وُجْدِکَ، وَ أَعْطِنَا أَضْعَافَهُ مِنْ فَضْلِکَ، فَإِنَّ فَضْلَکَ لَا یَغِیضُ، وَ إِنَّ خَزَائِنَکَ لَا تَنْقُصُ بَلْ تَفِیضُ، وَ إِنَّ مَعَادِنَ إِحْسَانِکَ لَا تَفْنَى، وَ إِنَّ عَطَاءَکَ لَلْعَطَاءُ الْمُهَنَّا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَتُوبُ إِلَیْکَ فِی یَوْمِ فِطْرِنَا الَّذِی جَعَلْتَهُ لِلْمُؤْمِنِینَ عِیداً وَ سُرُوراً، وَ لِأَهْلِ مِلَّتِکَ مَجْمَعاً وَ مُحْتَشَداً مِنْ کُلِّ ذَنْبٍ أَذْنَبْنَاهُ، أَوْ سُوءٍ أَسْلَفْنَاهُ، أَوْ خَاطِرِ شَرٍّ أَضْمَرْنَاهُ، تَوْبَهَ مَنْ الصحیفهالسجادیه(ع) ص : 204لَا یَنْطَوِی عَلَى رُجُوعٍ إِلَى ذَنْبٍ، وَ لَا یَعُودُ بَعْدَهَا فِی خَطِیئَهٍ، تَوْبَهً نَصُوحاً خَلَصَتْ مِنَ الشَّکِّ وَ الِارْتِیَابِ، فَتَقَبَّلْهَا مِنَّا، وَ ارْضَ عَنَّا، وَ ثَبِّتْنَا عَلَیْهَا. » (1)
یهنئ موقع الرشد أصدقائنا الأعزاء، بمناسبه حلول عید الفطر السعید، یوم فرحه المؤمنین و المتقین.
نأمل من الله أن یطوّل اعمارنا فی طاعته و عبادته و یرزقنا شهر رمضان آخر فی السنه المقبله للتبرّک بمائده العفو و المغفره و الاستغلال هذا الشهر الفضیل.
آمین یا رب العالمین
الهوامش
1. الصحیفه السجادیه، مناجات الخامس و الأربعین، مناجات فی وداع شهر رمضان المبارک